نرمين الشريف هي قصّة مميزة على مستوى العالم. سيدة، قائدة عمالية، أدت بها نشاطاتها لأن تقوم السلطات في ليبيا بملاحقتها سعيا للتخلص منها. بعد عدّة محاولات لاغتياليها، مرة بإطلاق الرصاص ومرة بواسطة عبوة ناسفة، والتي نجت منها متعرضة لإصابات، هربت إلى تونس وحصلت هناك على اللجوء السياسي. اليوم، هي رئيسة عمال المواصلات في ليبيا، وقد تم انتخابها من قبل عمال الميناء بالإجماع، لقيادتهم من دولة اللجوء المجاورة. هذه بحد ذاتها قصة مثيرة للإلهام.

إدري: "لا تعنيني أجندتها السياسية. إنها تعنيني على مستوى النقابات المهنية"

لكن هنا، ازدادت الأمور تعقيدا. عندما سمع آفي إدري، رئيس نقابة عمال المواصلات في الهستدروت، بقصتها خلال المؤتمر العالمي لعمال المواصلات الذي شاركا به معا، امتلأ بالانفعال وقرر أن يذكر مهنيتها وقياديتها المميزة من خلال بوست قام بنشره على صفحته في الفيسبوك، وكذلك خلال خطابه في اجتماع الهيئة العامة أمام كافة مندوبي النقابات المهنية من مختلف أنحاء العالم.

لكن يتضح أن الأمور الإيجابية التي خرجت من فم مندوب العمال الإسرائيلي لم تكن سوى أشد نقمة يمكن تخيلها. أو على الأقل، هذا ما اعتقدته الشريف. صعدت إلى المنبر بعد خطاب إدري واتهمته، بنوبة انفعال، بأنه يعرّض حياتها للخطر من خلال تطرقه الإيجابي إليها.

إدري: "لقد وصلنا إلى مرحلة تقوم فيها النساء المحجبات بالتصفيق لنا. ليس هذا أمرا نراه في مثل هذه المؤتمرات"

عُقد مؤتمر نقابات عمال المواصلات العالمي هذا الأسبوع في سنغافورة، وقد حضره مندوبون عن النقابات العمالية من مختلف أنحاء العالم. من إسرائيل، شارك به آفي إدري وكذلك أفيطال شابيرا، مديرة القسم الدولي في الهستدروت. وكالعادة، العالم كبير، لكن إسرائيل تحظى بمعاملة مميزة فيه. طبعا، تم التطرق إلى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني أيضا.

صعد مندوب النقابات العمالية الجزائري إلى المنصة وقام بمهاجمة إسرائيل على تعاملها مع الفلسطينيين. وقد ناشد بقية النقابات بالتدخل ومقاطعة إسرائيل. إلى جانبه، كلاعبة تعزيز، ممسكة بعلم فلسطين، وقفت نرمين الشريف، قائدة عمال الميناء في ليبيا والتي حظيت باللجوء في تونس. معنى المقاطعة العمالية هو أن البضائع الإسرائيلية لن يتم إنزالها من السفن والطائرات خارج البلاد. تهديد خطير للغاية.

استمر المؤتمر، وسمع إدري خلاله قصة الشريف المميزة. فثارت مشاعره وقرر، بالرغم من الاحتجاج الفلسطيني ضده، الاحتجاج الذي شاركت به الشريف قبل لحظات، نشر نشاطاتها في الفيسبوك. "لقد انتقلت إلى تونس لأنها حظيت بلجوء سياسي، تم انتخابها بالإجماع في ليبيا، وحتى اليوم تخوض معارك عمال الموانئ في ليبيا بينما تتواجد في تونس. إنها قائدة لا مثيل لها. لم أسمع عن شيء كهذا من قبل. بإمكانها الآن من تونس وقف العمل في ليبيا. لقد أصبت بالدهشة"، قال إدري لـ "دافار ريشون". "إنها قصة مثيرة جدا للإلهام، برغم كونها عدوّة، لقد أخذت جهازي الخلوي وقمت بنشر بوست في الفيسبوك. أخذت صورة لها وقلت بصورة واضحة بأني تلقيت حتلنة من فيفيان، الناطقة بلسان النقابة الهولندية، وكتبت بأكبر قدر ممكن من المهنية. قررت أنه من الواجب علي أن أبلغ – انتبهوا لهذه القيادة المميزة التي لدى سيدة لا تتواجد في دولتها وتتحكّم بصورة كاملة بالعمال الموجودين هناك، وأن أروي أنه قد تم انتخابها بالإجماع من قبل عمال الميناء بينما تتواجد هي في تونس أصلا. قائدة نسائية مميزة. وبهذا أنهيت البوست وصعدت لإلقاء خطاب، وقلت للجميع إنه بالرغم من كوننا أعداء، فإنني قمت بنشر بوست داعم لنرمين"، أضاف.

رئيس نقابة عمال المواصلات في الهستدروت، آفي إدري، أرشيف. (تصوير: الناطقية بلسان الهستدروت)

رئيس نقابة عمال المواصلات في الهستدروت، آفي إدري، أرشيف. (تصوير: الناطقية بلسان الهستدروت)

من هنا بدأ إدري بالحديث عن دوامة تدخل خلالها منظمو المؤتمر وطلبوا منه – باسم الشريف – شطب البوست من الفيسبوك وإزالة أي تطرق إليها، بما في ذلك عدم بث خطابه. وقد قال إدري، الذي وافق على عدم بث تعقيبه إن الفيسبوك يتضمن معلومات مأخوذة من الإنترنت وأن ليس فيه ما قد يمسّ بها من الناحية المهنية.

صعدت الشريف لإلقاء خطابها، وقالت إنها حلمت بأن صورتها تظهر برفقة عدد من شخصيات قيادات النقابات المهنية الموتى، وأنها عندما استيقظت في الصباح شكرت الله لأنها ما تزال على قيد الحياة. وقد قالت خلال خطابها، بصورة واضحة، إن مندوب العمال الإسرائيلي (آفي إدري) عرضها للخطر بسبب تصرفاته. وقالت إنها ربما لن تكون في المؤتمر القادم، مشيرة إلى إمكانية اغتيالها. وقد اتهمت الشريف إدري بأنه يعرف أن في العالم العربي، كل من يكون على تواصل مع إسرائيل، يكون معرضا للخطر، وبرغم ذلك قام بنشر وإشراك أقواله عبر الفيسبوك، وأضافت أنها لا تنام وبانها تفكر ألف مرة إذا ما كان بإمكانها العودة إلى ليبيا. وقد كانت نهاية الخطاب شديدة جدا أيضا. فقد اقتبست الشريف أقوال نلسون مانديلا وصرخت بكلام داعم للشعب الفلسطيني وللقدس عاصمة له.

"لقد دخلت في حالة من الهستيريا وبدى أنها في أزمة" قال إدري. بالرغم من أنها صرخت وهي تحمل علم فلسطين أن القدس هي عاصمة فلسطين، فقد صعدت لإلقاء خطاب امتدحتها فيه. أقول إن أجندتها السياسية لا تعنيني. إنها تعنيني على مستوى النقابات المهنية فقط. وقد قتلهم هذا الفصل الذي قمت به. لقد نجحنا بخلق حالة من التضامن، المودة والاحترام لدى الكثير من المندوبين، خصوصا المندوبين الإسلاميين". قال إدري.

"إنه أول مؤتمر منذ 11 عاما أنجح فيه بعدم الحديث طوال 24 ساعة يوميا عن مقاطعة إسرائيل"

"لقد كنا موضوعيين جدا هناك، وقمنا بتصديع وكسر جدار العالم العربي. هي لم تعرف كيفية مواجهة هذا الأمر وأخذت الأمور باتجاه الخطر على الحياة. عذرا، لكن لست انا الذي أطلق النار عليها مرتين، ولا أنا قمت بوضع عبوة ناسفة لها. النظام في ليبيا هو من قام بذلك وأراد القضاء عليها. لماذا تحاولين أن تلصقي بي أنني جئت من عالم آخر وقلت إنك قائدة عمالية كبيرة – ألهذا السبب سيغتالونك؟" يقول إدري.

يا عُمّال العالم – اتحدوا

يعتبر اختيار إدري تحييد العدائية تجاه إسرائيل من خلال إبداء التضامن، الإطراء والدعم، جزءاً من الاستراتيجية الجديدة التي يتبعها. خلال خطابه، وكرد على مندوب الجزائر وتطرقه للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، قال إنه ليس من وظيفة النقابة المهنية حل الصراعات السياسية وأن هنالك عملا مشتركا كثيرا يجب القيام به. وقد تطرق أيضا خلال خطابه إلى عمال المواصلات المضربين في إيران، وأشار إلى انه مستعد للقيام بخطوات تضامنية عمّالية بالرغم من الصراع بين الدول، وكذلك الأمر بالنسبة لأي نزاع عمل.

"إنه أول مؤتمر منذ 11 عاما أنجح فيه بعدم الحديث طوال 24 ساعة يوميا عن مقاطعة إسرائيل" قال إدري. "يجب أن نفهم أن مقاطعة نقابة مهنية أشد خطورة من المقاطعة الاستهلاكية خارج البلاد. هنالك الكثير من الجهات التي تدعو إلى عدم شراء البضائع الإسرائيلية، لكن الإنسان هو فرد وبإمكانه الدخول إلى الحانوت وأن يقرر شراء البرتقال الإسرائيلي أو شراء أي شيء آخر. لكن إذا فرضت عليك نقابة مهنية المقاطعة، فمعنى هذا أن البضائع التي تدخل إلى الميناء لن يتم إنزالها. بعد أن تكون هناك مقاطعة على المستوى العالمي، يأتي قرار عملي بعدم شراء البضائع. عندها، لن يتم إنزال البضائع، وستفسد تلك البضائع في مكانها وليس لديك شخص تتحدث إليه، لأن النقابات لديها روح المواجهة، وعندها تأتي مقاطعة جوية، وتدخل في دوامة لا نهاية لها".

بحسب أقوال إدري، هنالك قرار بتغيير الاستراتيجية. "عندما تقاطع منتجا إسرائيليا فإنك تمس بالعامل، وتقوم عمليا بإغلاق المصنع الذي يعمل فيه، وليس من واجب النقابات المهنية الانشغال بالسياسة، هذه هي الرسالة الأساسية.  لقد آتى توجهنا ثماره. في نهاية المؤتمر جاء داعموهم ليقولوا لنا إنها خائبو الأمل كثيرا من التوجه الفلسطيني، ومتفاجئون جدا من توجهنا".

"لقد وصلنا إلى مرحلة تقوم فيها النساء المحجبات بالتصفيق لنا. ليس هذا أمرا نراه في مثل هذه المؤتمرات. هؤلاء أناس كانوا لا يتحدثون معنا، لا يلقون علينا السلام، يتجاهلوننا، يهاجموننا على المستوى الدولي، يقومون بحملات مقاطعة ضدنا ويقودون حملات مقاطعة ضد البضائع الإسرائيلية".